آ» حزب الله يدين التصعيد الخطير للجرائم السعودية بحق اليمن ومؤسساته: العدوان ينتقم بعد ضربة صافر  آ» تغطية ’اسرائيلية’ لافتة لكلمة السيد نصر الله: اثبت من جديد انه خبير بالاعلام الإسرائيلي  آ» السيد نصرالله: العماد عون لن يُكسر وخياراتنا مفتوحة..كل بقعة في أرضنا حفرة للاسرائيلي  آ» حزب الله يدين جريمة احراق الطفل الفلسطيني في نابلس على يد الصهاينة  آ» السيد نصرالله: نتعرض لمعركة وجود ليس لها سابقة في تاريخ المنطقة..ولن نتخلى عن فلسطين  آ» السيد نصرالله: أميركا الشيطان الأكبر قبل الإتفاق النووي وبعده..  آ» السيد نصر الله في يوم القدس: الامل الوحيد لاستعادة فلسطين هو ايران ودعمها للشعوب والمقاومة  آ» الحركات التكفيريّة.. سكّين في ظهر القضية الفلسطينية  آ» حزب الله يدين بشدة الجريمة التي ارتكبتها عصابات التكفير في مسجد الإمام الصادق (ع) في الكويت  آ» حزب الله يدين الجرائم الوحشية التي ترتكبها ’داعش’ بحق مواطنين عراقيين  



اضف رد  

سمير كرم - 25/07/2008م - 5:02 ص | عدد القراء: 5394


لا أظن أن لغة اهتمت بموضوع الفساد قدر ما اهتمت به اللغة العربية.
حتى قبل أن نغوص في بحر الفساد الى حد الغرق بزمان طويل،

كانت هذه اللغة العبقرية قد أمدتنا بزاد من التعبيرات المتعلقة به لا يتوافر في أي لغة اخرى من فساد الذوق الى فساد الرأي، والفساد الأخلاقي وفساد الذمة ... وأخيرا دخلنا في قوائم الاصطلاحات الدولية عن الفساد ومؤشراته ومقاييسه عن الفساد المالي والسياسي والإداري...الخ.

وخارج إطار اللغة العربية، فإن الفلسفة دخلت لتدلي بدلوها في الموضوع حديثا، مع انه لم يفلت من أفلاطون وأرسطو وأودى اتهام سقراط بحياة هذا الفيلسوف. لقد توصلت الفلسفة أخيرا الى أن الفساد بدأ مع الخطيئة الأولى التي تسببت في إخراج آدم وحواء من الجنة.

مع هذا كله، فإنني أبحث بلا جدوى عن كلمة أو مصطلح يصف نوعا جديدا من الفساد يدخل حياة الامة العربية ولم تعرفه المجتمعات الاخرى فيما أتصور .. نوعاً أخطر وأدهى من أنواع الفساد السابقة، أو هو ربما أبو الفساد بأجمعه بتوصيفاته ونتائجه.

فيما الامة العربية تحتفل بكل وجدانها وعقلها الجمعي بـ»ظاهرة« حزب الله، التي تدخل على حياتها من جديد معاني الصدق والشهادة والأمل والتضحية والمقاومة والثقة بالنفس... والانتصار، ظهر نوع خاص جدا من الفساد، يتسرب الى الناس من خلال فرق الإعلام العربي الرسمي والقريب من الرسمي، يرسم صورة أخرى لحزب الله وقيمه وأهدافه.

تزامناً مع ذكرى الانتصار في حرب صيف عام ،٢٠٠٦ ومع فرح الجماهير العربية بإملاء التبادل التاريخي بإرادة الفعل والمقاومة وإجبار إسرائيل على تسليم كل الأسرى اللبنانيين الأحياء وكل الشهداء الباقين ... رأى الإعلام الرسمي لبعض النظم المهزومة بلا حرب وبلا مقاومة والمستسلمة بلا حساب للواقع والممكن والمستقبل، أن يطبع كتباً وينشرها مسلسلة في بعض صحفه ومجلاته ضد حزب الله. وهذا الطعن في ضمير حزب الله وأسلحته ووسائله وغاياته ليس سوى الدخول من الباب الاول الى حملة أوسع ذات طابع طائفي ـ مذهبي بالدرجة الأولى. والهدف تحريض السنّة على الشيعة، والزعم بخطر شيعي على السنّة والمسيحيين قيمة وبشرا وفكرا وتاريخا. صورة حزب الله في هذه الحملة لا تحمل أية ملامح للحزب الذي يحارب إسرائيل ويتصدى لها ويتحدى مخابراتها ومدرعاتها ومقاتلاتها وقاذفاتها.

صورة حزب الله في هذه الحملة هي صورة حزب طائفي مذهبي جعل وتربى وتسلح من أجل أن يستبيح أعراض المواطنين وشرفهم وليلغي تاريخهم ويحولهم الى مهزومين خاضعين (...).

في هذه الحملة إسرائيل ليست همّ حزب الله .. همه الحقيقي إشاعة الكراهية بين المسلمين وإعادة تاريخ كربلاء والانتقام له ... قهر المسيحيين العرب، في لبنان وغيره، فهو يعلم في مدارسه أنهم عملاء لإسرائيل ولا شيء غير ذلك.

لن يكون من قبيل الشرف أو الشعور القومي أو الديني الصادق أن نستعرض ولو عينة مما تقوله هذه الكتابات. فلا داعي أصلا لإهدار سطور لترديد فساد الرأي وفساد الأخلاق للرد على ما في هذه الحملة. لكن الأمر الذي يصدم المنطق السليم في أبسط أشكاله أن ما تقوله هذه الحملة يعني أن الفساد والطائفية والكراهية لهذه الأمة وتاريخها ودينها، وفتح الأبواب أمام الطعن في الأعراض، هو الطريق الوحيد الذي أوصل حزب الله الى الانتصار على اسرائيل عسكريا وسياسيا.

الاستنتاج المباشر والمنطقي لكل تفصيلات حملات الدعاية ضد حزب الله، أن حزب الله تمكن من أن يحقق هذه الإنجازات وهو يسلك طريق الانهيار الأخلاقي والفرقة والبغضاء. أيمكن أن يصدق عاقل أن هذا هو الطريق الذي أوصل حزب الله الى مكانته الحالية في مواجهة اسرائيل، ومكانته الحالية في عيون الأمة العربية ومسلمي العالم؟

بتعبير آخر، من نصدق: نصدق ما أنجزه حزب الله على مدى السنوات منذ تأسيسه، أم نصدق الصورة اللاأخلاقية اللامقاومة اللامتماسكة التي تنتهي بنا إليها حملة ليس هناك أدنى شك في أن النظم الحاكمة وراءها بالإملاء والتمويل، تفتح لها صفحات الجرائد والمجلات والمساحات الزمنية الباهظة على الفضائيات المعروفة الانتماءات؟ وهل في تاريخ الإنسانية كله حالة واحدة لمقاومة استطاعت أن تحقق ولو بعض ما حققه حزب الله بسلوك طريق الفساد الأخلاقي والسياسي والفكري نحو أهداف لا تؤيدها جماهير ولا تقف وراءها كتل بشرية يصعب تكوينها كما يصعب حصرها؟

لقد استوقف كل إنسان مستنير في هذا الوطن ذلك الذي وصفه الإعلام في كل أنحاء العالم بأنه »احترام العدو«، قاصداً احترام إسرائيل لحزب الله. فهذا الاحترام هو الذي أجبر إسرائيل على التعامل مع الحزب بكل هذا القدر من الالتزام، لأنه أوصلها الى قناعة بأنه لا سبيل آخر، »ولو وقف العالم كله معها«، للتبادل إلا بمفاوضات غير مباشرة. لقد جربوه من قبل مرة واثنتين وعشراً.

لقد تمكن هذا الحزب من أن يلغي من خيارات إسرائيل في التعامل معه عمليات قواتها الخاصة التي كانت يوما أداتها المفضلة لسنوات وسنوات لفرض أحكامها وتنفيذها من شواطئ لبنان إلى شواطئ تونس. وبنتيجة حرب ،٢٠٠٦ أجبر حزب الله إسرائيل على أن تعيد النظر في مؤسساتها العسكرية برمتها، قادتها وتسليحها وعقيدتها وأساليبها. وتمكن حزب الله من أن يلغي دور الاستخبارات الإسرائيلية في تعاملها معه بعد أن كان هذا الدور يقطع نصف المسافة الى كسب المعارك والحروب مع الجيوش النظامية العربية. لقد أصاب الاستخبارات الإسرائيلية بعجز استراتيجي جعل المحللين العسكريين في إسرائيل والولايات المتحدة يقولون إن إسرائيل دخلت حرب ٢٠٠٦ مغمضة العينين، فلا معلومات استخباراتية ولا معطيات أمنية عن حزب الله وقواته وأسلحته أو مواقعه وخططه.

واذا كانت إسرائيل قد عجزت عن معرفة مكان أسيريها ولا حتى اذا كانا على قيد الحياة، فإن ذلك شكل إضافة الى معجزة المنصات الصاروخية التي نصبتها المقاومة تحت أنف إسرائيل خلال الفترة من التحرير في عام ٢٠٠٠ حتى حرب ،٢٠٠٦ ولم تكن تفصل اسرائيل عن مواقع نصب الصواريخ سوى أمتار الحدود والأسلاك الشائكة. فكان على إسرائيل أن تدرك أنها تواجه في حزب الله عدواً تفوّق قدراته البشرية أقصى تصوراتها.

لكن في الوقت الذي كانت إسرائيل تكوّن هذا الرأي وتعيد حساباتها بشأن أي مواجهة معه في المستقبل ... كانت حملة الدعاية »العربية« ضد حزب الله تكوّن رأياً عكسياً، ليس لأنها تريد أن تختلف مع إسرائيل، فهذا أبغض الحرام عند النظم المعتدلة. إسرائيل تعرف أن المواجهة مع حزب الله »وجودية« ومسألة مصير، حياة أو موت، ولهذا فإنها لا تملك ترف خداع النفس. أما قادة الحملة على حزب الله في الإعلام العربي فلا هدف حقيقيا لهم سوى البلبلة والشوشرة على صورة حزب الله الحقيقية لدى الناس. فيما عدا ذلك لا أظن أن أحدا يتصور حتى أنهم يصدقون أنفسهم في ما يقولون. لكن هذا لا يعني أنهم غير جادين في ما يفعلون. إنهم يؤدون عملا كلفوا به هو ان يشوهوا صورة المقاومة اللبنانية، ان يسيئوا الى حزب الله وان يزرعوا كراهية طائفية ضده وشخصية ضد أمينه العام ... وهم يبذلون أقصى ما بوسعهم.

هذا هو حدهم الأقصى وفي الاغلب لا يفيد. لقد أكدت استطلاعات الرأي التي أجرتها أكثر مصانع الافكار الاميركية حظا من الاحترام حتى في عواصم الحملة ان الامين العام لحزب الله يتمتع بموقع الصدارة بين الشخصيات التي تحترمها الشعوب العربية ... شيعة وسنّة. مع ذلك ليس باستطاعة القادة الموجهين لهذه الحملات أن يتهموا جنودهم الاعلاميين بالتقصير .. فإنهم يذهبون الى أقصى الحدود في أدائهم لواجبهم ويصلون الى حدود يعرفون أنها تكسبهم ازدراء الجماهير العربية. وهؤلاء القادة وجنودهم على السواء يعرفون جيدا انه ليس بالدعاية الرسمية تسير الأمور وفقا لأهدافهم، يعرفون أن كل صفحات الدعاية لسياساتهم في الصحف والفضائيات الرسمية ذاتها لا تكسبهم تأييدا أو مؤازرة من الناس ... مع انهم ينفقون عليها أضعاف أضعاف ما ينفق للإساءة الى المقاومة.

على هذه الناحية الفساد لا يكسب، وبالمثل على الناحية الاخرى لا يكسب. فلماذا الاهتمام بالرد على حملة الفساد الرسمية ضد حزب الله وإنجازاته؟

اولا لان التصدي للفساد ضرورة حتى لو كانت تأثيراته الفعلية عرضية وضئيلة حتى ـ أو بالأحرى خاصة أنه ـ تحوّل الى »بيزينس« يعرف حدوده القادة والممارسون. انه أشبه بالقيام بعمل لا أخلاقي في عرض الطريق على مرأى من الناس .. لا يمكن السكوت عنه وان كان من غير المحبذ تصويره ونشر صوره القبيحة ليراها من لم ير الفعل الفاضح نفسه (...).
ثانيا، لان كشف فساد الفاسدين ضرورة، خاصة حينما تمتد الأيدي الملوثة بالفساد الى ما هو أبعد من الشؤون الداخلية لتصل الى الشؤون القومية والدينية وحتى الى حق الحياة بالمقاومة وهو حق مقدس.

ان القادة الذين يوجهون أوامرهم بشن هذه الحملات ملطخة صورهم وقراراتهم ومواقفهم بفساد من كل نوع، سياسي واقتصادي وأخلاقي. وهم لا شك يعتقدون أن شن حملات ضد غير الفاسدين الذين دخلوا الى ساحة العمل الوطني والقومي ليؤدوا دورا جادا ونقيا، يقلل من العبء الواقع عليهم داخليا من المعارضة الشعبية والحزبية في الحدود الضيقة المعروفة. لقد أصبح فسادهم مكشوفا وعلنيا في معظم الاحيان. وهم يتصورون أن تلطيخ الآخرين يجعلهم هم الفاسدين يبدون طبيعيين أسوياء.

ومن الواضح من تطورات الحقبة الأخيرة انه فيما كانت المقاومة تحقق انتصاراتها العسكرية والسياسية على اسرائيل، كانت اسرائيل تحصل من النظم العربية المعتدلة الفاسدة (هي نفسها) على الحد الاقصى من مطالبها. ولهذا تنهزم اسرائيل في لبنان بينما تملك هيبة وكلمة مسموعة في عدد من العواصم العربية المشهود لها جماهيريا بالغلو في الفساد. فالفساد هو نقطة ضعفها التي منها تمسكها اسرائيل والولايات المتحدة وتوجهها الى حيث تشاء.

وضع يتميز بالغرابة والتناقض .. لكن دهشة الاستغراب تزول عندما نرى الفساد هو القاسم المشترك كمحرك لسياسات عواصم الاعتدال .. تستوي في هذا عواصم الاعتدال التي قامت بينها وبين اسرائيل معاهدات سلام وعلاقات دبلوماسية علنية وأعلام متبادلة ومجاملات .. وعواصم الاعتدال التي لا تزال تحبو بخطوات تجاه التصالح والوئام مع اسرائيل، ما يوضح أن التطبيع يمكن أحيانا أن يسبق الصلح وليس بالضرورة أن يسبق العلاقات الرسمية. وهو طريق تفضله اسرائيل.
[[[
المشكلة التي تواجه الفاسدين الآن مشكلة مزدوجة:
فسادهم الداخلي غني عن التعريف، الى حد أنهم لا يهتمون الآن بالدفاع عن أنفسهم قدر الدفاع عن الفساد في ذاته تحت مسميات كثيرة.

فسادهم الخارجي يزداد وضوحا تحت نور شمس المقاومة. ولقد أصبحت الجماهير تدرك أن علاقة وطيدة بل عضوية بين فساد الداخل والخارج وتدرك انها لا تستطيع أن تقبل أيهما للقضاء على الآخر.
وسأظل أبحث عن تعبير كاف عن هذا النوع من الفساد الذي لا أجد له سوابق هنا أو هناك.


كاتب سياسي عربي من مصر
السفير

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!